بعد مقتل ناشطة حقوقية.. مخاوف من تزايد العنف ضد النساء في العراق
بعد مقتل ناشطة حقوقية.. مخاوف من تزايد العنف ضد النساء في العراق
تُعيد جريمةُ مقتل الناشطةٍ الحقوقية العراقية ينار محمد إلى الواجهة سؤالًا مُلحًّا عن اتساع العنف ضد النساء في بلدٍ ما زالت فيه الحماية القانونية مجتزأة، والإنفاذ ضعيفًا، والبيئة العامة أكثر خطورة على المدافعات عن الحقوق.
ولم يعد استهداف الناشطات حادثًا معزولًا، بل جزءا من مناخ تهديدٍ أوسع يطول أصوات النساء في الفضاء العام، خصوصًا حين تتقاطع قضاياهن مع نفوذ جماعات مسلحة أو حملات تشهير وتحريض، بحسب ما ذكرت وكالة "أنباء المرأة"، اليوم الثلاثاء.
وسجلت السلطات العراقية، وفق أرقام نُشرت حديثًا، 36,289 حالة عنف أسري خلال 2025، وهو رقم اعتبره حقوقيون أقل من الواقع بسبب الخوف من الإبلاغ والوصمة الاجتماعية وضعف الثقة بآليات الحماية، بحسب ما ذكر المرصد العراقي لحقوق الإنسان.
وحذر المرصد العراقي من أن العنف المنزلي لم يعد “شأنًا خاصًا”، بل ظاهرة عامة تتغذى من الأزمة الاقتصادية والضغط النفسي وتراجع الخدمات، وتنعكس مباشرة على سلامة النساء وقدرتهن على الاستمرار في العمل والتعليم والحياة العامة.
وتؤكد منظمة العفو الدولية أن كثيرًا من النساء يتراجعن عن تقديم الشكاوى خوفًا من الانتقام أو بسبب انعدام المأوى البديل، أو لأن إجراءات التقاضي طويلة ومكلفة، أو لأن العنف يُعاد إنتاجه داخل بيئة اجتماعية تعتبره “خلافًا عائليًا” لا جريمة.
الإفلات من العقاب
تُفاقم فجوةُ القوانين والإنفاذ هشاشةَ النساء؛ إذ ما زال قانون مناهضة العنف الأسري على المستوى الاتحادي معطّلًا في البرلمان منذ سنوات، بينما تبقى لدى إقليم كردستان منظومة قانونية خاصة لكنها تواجه بدورها عراقيل تنفيذية وتمويلية.
وفي المقابل، تُشير منظمة هيومن رايتس ووتش، إلى أن المادة 41 من قانون العقوبات تمنح غطاءً لـ“تأديب الزوجة/ الأطفال” ضمن “حدود العرف”، كما تُخفَّف العقوبات في بعض جرائم “الدوافع الشريفة/ الشرف”، بما يرسل رسالة اجتماعية خطرة مفادها أن العنف قابل للتبرير أو التساهل.
وتُظهر تقارير دولية أن هذه الثغرات لا تُنتج ظلمًا قانونيًا فقط، بل تُنتج “خوفًا وقائيًا” يدفع النساء إلى الصمت أو التنازل، ويُضعف قدرة الشرطة والادعاء على ردع الجناة، ويُحوّل السلامة الشخصية إلى امتياز مرتبط بالمكان والطبقة والعلاقات، لا حقًا مضمونًا.
ناشطات تحت الاستهداف
تُحذّر شبكات نسوية دولية من أن المدافعات عن حقوق النساء في العراق يتعرضن لتصاعد في العنف والاستهداف وحملات الكراهية، ما يضغط على مساحة العمل المدني ويزيد عزلة الضحايا والناجيات من العنف.
وفي هذا السياق، يكتسب مقتل ناشطة وزنًا مضاعفًا، لأنه لا يهدد حياة فرد فقط، بل يرسل إنذارًا للمجتمع بأكمله بأن من يرفع الصوت قد يدفع الثمن.
وتدعو منظمات حقوقية إلى التعامل مع هذه الجرائم باعتبارها اختبارًا لسيادة القانون، عبر الإسراع بتشريع قانون اتحادي لمناهضة العنف الأسري، وإلغاء النصوص التي تشرعن “التأديب” أو تُخفف العقوبات بدافع “الشرف”، وتوسيع الملاجئ وخطوط النجدة، وضمان حماية المبلّغات والشهود، مع محاسبة شفافة في قضايا قتل النساء واستهداف الناشطات دون تسويات اجتماعية تُفرغ العدالة من معناها.











